اتصل بنا من نحن؟ أحدث الإصدارات الأرشيف مختارات مقالات هموم استشارات الافتتاحية الرئيسة
 
 
مهارات الاتصال البشري
24/8/2008
المتلقي.. في ضوء نظرية الاستخدامات والإشباعات
د. عثمان فكري
 
استعرضنا في المقال السابق رؤية عامة لبعض نظريات الاتصال التي تتناول دور الجمهور في عملية الاتصال البشري، وتطرقنا إلى الكيفية التي تطورت من خلالها هذه النظريات.. واليوم نتعرض لواحدة من أهم نظريات الاتصال الحديثة التي تفسر الدور الذي يلعبه الجمهور في عملية الاتصال مع وسائل الإعلام، وهي نظرية الاستخدامات والإشباعات.
وقبل الدخول في جوهر النظرية وفرضياتها، يهمنا توضيح أنه حتى قيام الحرب العالمية الثانية كان هناك اعتقاداً راسخاً بأن وسائل الاتصال قادرة على تحديد الفكر ودفع الأفراد إلى التصرف وفقاً لأسلوب معين تسعى إلى تحقيقه. واعتبر البعض وسائل الاتصال قادرة على تقوية الديمقراطية وزيادة معلومات الجماهير، في حين نظر إليها البعض الآخر باعتبارها وسائل يمكن أن تُسْتَغل في تحقيق أهداف شريرة([1])Subcultures، فلم يعد ممكناً فهم الجماهير بهذه الطريقة([2])، مما أدى إلى ظهور اتجاه بحثي آخر يعني بالعلاقة بين وسائل الإعلام وجمهورها. وكان محور هذا الاتجاه هو الإجابة على سؤال أساسي: كيف ولماذا يستخدم الناس وسائل الإعلام؟ ولقد عُرف هذا الاتجاه البحثي الجديد بمنظور "الاستخدامات والإشباعات". ... أما وقد اتضح الدور القوي للمتغيرات في المعرفة والإدراك والجماعات ذات الأنماط السلوكية الخاصة
النشأة ـــ مراحل التطور:
قُدم هذا المدخل للمرة الأولى في عام 1959 حينما تحدث عالم الاتصال المعروف Katz عن ضرورة تغيير الخط الذي تسير فيه بحوث الاتصال، والتركيز على كيفية تعامل الناس مع وسائل الإعلام بدلاً من الحديث عن تأثيراتها على الجمهور([3])، واقترح على الباحثين ضرورة التحول إلى دراسة المتغيرات التي تلعب دوراً وسيطاً في هذا التأثير من خلال البحث عن إجابة السؤال: ماذا يفعل الجمهور مع وسائل الإعلام؟ ([4]).
وكان الظهور الفعلي لمنظور "الاستخدامات والإشباعات" عام 1944 في المقال الذي كتبته عالمة الاجتماع الامريكية Harzog بعنوان "دوافع الاستماع للمسلسل اليومي وإشباعاته" وتوصلت من خلال المقابلات التي أجرتها مع مائة من المستمعات للمسلسل النهاري الذي يقدمه الراديو إلى وجود إشباعات أساسية للاستماع إلى هذه النوعية من المسلسلات([5]).
وتواصلت الجهود البحثية في هذا الميدان الجديد حتى وصلت إلى حالة من النضج تبلورت من خلالها عناصر هذه النظرية الجديدة وأهدافها وفروضها ليصبح لها فيما بعد تأثير كبير في أولويات بحوث الإعلام في العالم لسنوات عدة([6]).
جوهر النظرية:
تعني نظرية الاستخدامات والإشباعات في الأساس بجمهور الوسيلة الإعلامية التي تشبع رغباته وتلبي حاجته الكامنة في داخله. ومعنى ذلك أن الجمهور ليس سلبياً يقبل كل ما تعرضه عليه وسائل الإعلام، بل يمتلك غاية محددة من تعرضه يسعى إلى تحقيقها([7]). فأعضاء الجمهور هنا بدرجة ما باحثون نشطون عن المضمون الذي يبدو أكثر إشباعاً لهم، وكلما كان مضمون معين قادراً على تلبية احتياجات الأفراد كلما زادت نسبة اختيارهم له([8]).
وكما يرى محمد عبد الحميد فإن أحد المظاهر الأساسية لجمهور المتلقين أنه لا يعتبر مجرد متلقي يتعرض ويتأثر بعد ذلك بالرسالة، لكنه طرف فاعل ونشط في هذه العملية، لذلك فهو يقوم بدور بمجرد اشتراكه فيها كمظهر للذات الاجتماعية، وكطرف في هذه العملية يسهم في حركتها واستمرارها. ومن هنا يأتي الدور النقدي الذي يقوم به كل عضو من أعضاء الجمهور فيما يتعلق بعناصر العملية كلها. والدور النقدي هو الذي يؤثر في استمرار عملية التعرض، أو الانسحاب منها بناءاً على الممارسة التي يقوم بها العضو كطرف في العملية الإعلامية.
فمن خلال تأثير الحاجات والدوافع والأطر المرجعية يبدأ الفرد بصفته قارئاً أو مشاهداً أو مستمعاً في تقويم ما يحصل عليه من معلومات وتقويم مصدر هذه المعلومات حتى يطمئن إلى تأمين حاجاته من التعرض متأثراً في ذلك بالعوامل الوسيطة في عملية التعرض([9]).
فروض النظرية:
وضع كاتز وزملاؤه من علماء الاتصال خمسة فروض رئيسية تتعلق بكيفية استخدام الأفراد لوسائل الاتصال والإشباعات التي يسعون إلى تحقيقها من وراء هذا الاستخدام. وقد نقل عن كاتز عدد كبير من علماء الاتصال العرب والأجانب هذه الفروض دون إضافة وهي([10]):
1-إن أعضاء الجمهور مشاركون فعالون في عملية الاتصال الجماهيري، ويستخدمون وسائل الاتصال لتحقيق أهداف مقصودة تلبي توقعاتهم.
2-يعبر استخدام وسائل الاتصال عن الحاجات التي يدركها أعضاء الجمهور، ويتحكم في ذلك عوامل الفروق الفردية.
3-إن أعضاء الجمهور هم الذين يختارون الرسائل والمضمون الذي يشبع حاجاتهم، وأن وسائل الإعلام تتنافس مع مصادر الإشباع الأخرى في تلبية هذه الحاجات.
4-إن أفراد الجمهور لديهم القدرة على تحديد دوافع تعرضهم وحاجاتهم التي يسعون إلى تلبيتها، لذا فهم يختارون الوسائل المناسبة لإشباع هذه الحاجات.
5-يمكن الاستدلال على المعايير الثقافية السائدة في المجتمع من خلال استخدام الجمهور لوسائل الاتصال، وليس من خلال محتواها فقط.
وتسعى نظرية الاستخدامات والإشباعات من خلال الفروض السابقة إلى تحقيق الأهداف التالية:
1-الكشف عن كيفية استخدام الأفراد لوسائل الإعلام.
2-الكشف عن دوافع الاستخدام لوسيلة معينة.
3-الفهم العميق لعملية الاتصال من خلال النتائج التي يتم التوصل إليها([11]).
4-الكشف عن "الإشباعات المطلوبة" التي يسعى الفرد إلى تلبيتها من خلال استخدامه لوسائل الاتصال "والإشباعات المختلفة" من وراء هذا الاستخدام.
5-الكشف عن العلاقات المتبادلة بين "دوافع الاستخدام" و "أنماط التعرض" لوسائل الاتصال والإشباعات الناتجة عن ذلك.
6-معرفة دور المتغيرات الوسيطة من حيث مدى تأثيرها في كل من استخدامات الوسائل وإشباعاتها.
وبشكل عام يمكن وصف علاقات الجمهور بوسائل الإعلام بأنها علاقات ذات طبيعة "حدثية" إن صح التعبير، بمعنى أنها تخضع ويتحكم فيها حدث ما له أهمية بحيث يفرض على الجمهور متابعته وبشدة من خلال وسيلة ما هي الأكثر إشباعاً لحاجته في معرفة تفاصيل حول هذا الحدث عن غيرها من باقي الوسائل. فقد يعتمد الفرد بشدة على التلفزيون في متابعة الأحداث والبرامج الإخبارية لمعرفة ما يدور حوله بشكل أكثر تفصيلاً، "أي أن الفرد يكون نظام وسائل الإعلام الخاصة به، والذي يخدم أهدافه في الظروف الطارئة أو في الأزمات بصورة أفضل والتي يعتبرها أكثر أهمية في هذا الوقت، وعندما ينتهي فإنه يعود إلى نظم وسائل الإعلام اليومية"
فعلى سبيل المثال أثناء فترة الانتخابات قد يعتمد الفرد في الحصول على المعلومات لاتخاذ قرار التصويت لمرشح ما دون غيره على القنوات الشخصية، فإذا ما انتهت الانتخابات فإنه يعود إلى وسائل الإعلام الجماهيرية، أو بمعنى أدق فإنه يعود إلى استخدامه اليومي والطبيعي المعتاد للوسائل حتى إذا ما جد حدث آخر له نفس الأهمية .. وهكذا تدور علاقة الفرد بوسائل الإعلام في نفس الدائرة.
- عناصر نظرية الاستخدامات والاشباعات: 
من خلال العرض السابق لنشأة المدخل، والفروض التي يقوم عليها، والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها تبرز أمامنا مجموعة من العناصر تشكل أهم الملامح والأسس التي يقوم عليها، مع تفصيل هذه الملامح في مقالنا القادم بإذن الله، وهي:
1- الجمهور النشط.
2- الأصول الاجتماعية والنفسية للإشباعات.
3- دوافع الجمهور وحاجاته.
4- التعرض لوسائل الاتصال.
5- الإشباعات الناتجة عن التعرض.
6- دوافع الجمهور للتعرض.
7- توقعات الجمهور من وسائل الاتصال.
 
المراجع:
([1]) جيهان أحمد رشتي ، الأسس العلمية لنظريات الإعلام، (القاهرة: دار الفكر العربي، 1978)، ص505.
(2)http://uts.cc.utexas.edu/pba077/ugTheory.htm Available At:
(3) Warner J. Severin, James W. Tankred, Jr, Communication Theories: Origins Methods and Uses in the Mass Media (New York & London, Longman, 1998) 3th ed, pp 269-280.
(4) Elihu Katz, Jay G. Blumur & Michael Gurevitch, Utilization of mass communication by the individual in: J. G. Blumer and E. Katz, The Uses of Mass Communications: Current Perspectives on Gratifications Research (Biverrly hills & London, Sage Publication, 1974) p 20.
(5) James Lull, Media Communication: Culture A global Approach (London, Polity Press, 1995) p 90.
(6) Stephen W. Littlejohn, Theories of Human Communication (Belmont & California, Wadsworth Publishing Company, 1983) Second edition, p 285.
(7) Jay Black & Jennings Brayant, Introduction to Communication: Understand The past, Experience The present, Marvel et The future (Medison, Brown Q. Bench Mark, 1995) 4th ed, p 33.
(8) محمد عبد الحميد ، دراسة الجمهور في بحوث الإعلام (القاهرة: عالم الكتب،1997) ص ص111-112.
(9) محمد عبد الحميد ، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير، مرجع سابق، ص220.
(10) عبد الرحمن محمد سعد الشامي ، استخدامات القنوات التلفزيونية المحلية والدولية: الدوافع والإشباعات، رسالة دكتوراه غير منشورة، (جامعة الأزهر، كلية اللغة العربية، قسم الصحافة والإعلام، 2002)، ص72.
(11) يوسف سليمان سعد ، استخدامات الجمهور اليمني لوسائل الإعلام أثناء الحملات الانتخابية والإشباعات المحققة منها، رسالة ماجستير غير منشورة، (جامعة الأزهر: كلية اللغة العربية، 2000) ص60. 
المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع
جميع الحقوق محفوظة لمركز طيِّـبَة للدراسات الإنسانية 2008م
تصميم وتطوير شركة أيزوتك للاستشارات