اتصل بنا من نحن؟ أحدث الإصدارات الأرشيف مختارات مقالات هموم استشارات الافتتاحية الرئيسة
 
 
عالم الإدارة
22/8/2009
وإنما الأمم الأخلاق ما حسنت
أ. محمد مصطفى البسيوني            
 
عندما ذاع وشاع قول شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت              فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
انبرى الشاعر "السيد حسن القاياتي" لإبداء رأيه في هذا البيت، ونظن أن هذا كان في "صحيفة منبر الشرق" وكان هذا الرأي القاياتي يدور حول أن لفظ "الأخلاق" لا ينبغي أن يذكر على إطلاقه لأن الأخلاق قد تكون أخلاق حسنة أو عكس ذلك، فأي الصنفين أراده "شوقي" هنا؟
   إن الأخلاق لا تذهب ولا تجئ وإنما هي جزء من كيان الفرد والجماعة، وسمة لازمة للمرء والمجتمع فيقال: إن من خلق هذا الإنسان الصبر أو الشجاعة أو الكرم مثلما يقال عنه من خلقه الاندفاع والتهور والتدخين أو الجبن أو البخل وهكذا.
   ومن هنا نرى أن من فروع علم الاجتماع ما يعرف "بالاجتماع الأخلاقي" الذي يتناول أخلاق المجتمع المتمثلة في العرف والعادات والتقاليد وغيرها مما اصطلح بتسميته"بالعقل الجمعي " "Group Mind" الذي هو من الجماعة بمثابة الضمير من الفرد فيصدر أحكاما مباشرة على القيم الأخلاقية.
   والحقيقة أن المناطقة الذين يكلفون بدقة الألفاظ وتحديد المفاهيم يقفون إلى جانب هذا النقد "القاياتي" لهذا البيت "الشوقي" الذي أصبح يجري مجرى المثل، وينتشر بين الناس ــ ولا سيما في مجال تربية الناشئة ــ "انتشار النار في الهشيم" كما يقال.
   ولقد دفعني هذا إلى استقراء ما جاء في بعض معاجم اللغة للوقوف على القول الفصل في هذا المجال، فوجدت في مادة "خلق" ما يشبه الإجماع على أن الأخلاق هي جمع "خلق" وأن من معانيها "العادة أو السجية أو الطبع".
 
الخلق في القرآن والسنة
   أما القول الفصل، والمرجع العدل فإننا نجده في كتاب الكتب: القرآن المجيد، وفي أقوال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
 يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة القلم، وهو يقلد نبيه المصطفى ــ صلى الله عليه وسلم ــ قلادة التشريف والتكليف جميعا: "وإنك لعلى خلق عظيم".      (القلم: 4).
فالحكيم عز وجل لم يذكر لفظ الخلق هنا على إطلاقه ولكنه نعت هذا الخلق بالعظمة التي ترتفع بصاحبها إلى المقامات العلا.
وعندما تحدث النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن رسالة الحنيفية السمحاء قال: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فهو عليه الصلاة والسلام هنا لم يذكر الأخلاق على إطلاقها، ولكنه خص مكارمها، كم نراه ــ صلى الله عليه وسلم ــ في حديث آخر يؤكد الأهمية الأخلاقية في حالة الترابط الأسري الذي يقوم على الزواج الموفق فيقول: "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". فهو ــ صلى الله عليه وسلم هنا يقرن بين الدين والأخلاق المرتضاة، وكأنه ــ صلى الله عليه وسلم ــ وهو الذي لا ينطق عن الهوى ــ ينبه البشرية إلى ما يحدث اليوم من أساليب الزواج الذي لا يرضاه خلق ولا دين، وما يسفر عنه من جرائم أسرية خطيرة، وما يصحب هذا من الطلاق "السريع" الذي هو نتيجة طبيعية للزواج "المتسرع"، وكذلك ما يجري على هامش هذا الانهيار من جرائم التحرش، والاختطاف والاغتصاب وغير ذلك من ألفاظ القاموس "الأخلاقي" المبتكر في إطار العولمة.
 وإذا كان خلق المرء ذا طابع باطني داخلي فإن سلوكه هو المظهر الخارجي المعبر عن هذا الخلق، فأنت ترى خلق المرء في مرآة سلوكه، ويتفاوت الناس فيما بينهم في مدى تطابق السلوك الجلي مع الخلق الخفي لأن كثيرا من ذوي الغرض والمرض يخفون مالا يعلنون، ويعلنون ما لا يخفون، ولكن كثيرا أيضا من ذوي الفطنة والكياسة لا تنطلي عليهم أساليب هؤلاء اللئام الذين هددهم الشاعر العربي القديم بقوله:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة          وإن خالها تخفى على الناس تعلم
 فمن يدعي أنه يتمتع بمهارة الإخفاء والخداع قد قيض له من يتحلى بمهارة الاكتشاف والاستجلاء.
   ولعل هذا من سنن التوازن الأخلاقي بين الناس كشأن المادة التي يتعادل فيها السلب والإيجاب، ومن هنا يقال في مثل هذا السياق (إذا كنت كذوبا فكن ذكورا) لأنك مهما أخفيت الحقيقة فإن الحق لك بالمرصاد إذ إن المواقف تتعدد وتتنوع، فالموقف الذي تكذب فيه قد يتلوه موقف آخر يكشف هذا الكذب ولو بعد حين، وعندئذ يقع الكذوب في شر أعماله كما يقال.
 وإذا كان هذا في مجال الأقوال فإنه كذلك في مجال الأعمال والأفعال، وذلك مثل اللص الذي يتظاهر بالأمانة، والقاتل الذي يتشدق بالبراءة، والزاني الذي يدعي الطهارة، والمرتشي الذي يتغنى بالنزاهة، وغير هذا وذاك من أدعياء الخلق الكريم بينما هم غارقون في الخلق اللئيم.
ولعل هذا مما قرره القرآن الكريم في آيات النفاق حيث يقول:
" كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".       (الصف:3).
وكذلك في قوله سبحانه: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا".         (النساء: 145).      
والخلق الكريم يكسو أصحابه برداء الفضل والكرامة والمهابة وإن كانوا أحيانا في نظر أصحاب المعايير الظالمة (على الهامش) مهملين، بينما الخلق اللئيم يلطخ ذويه بالضعة والمهانة والصغار وإن كانوا أحيانا أمام الأعشى أفذاذا وأساطين.
 
الأخلاق والفكر الإنساني
 ولقد شغل موضوع الأخلاق الفكر الإنساني منذ القدم في مختلف الحضارات والثقافات، سجلته مخطوطات البردي المصرية القديمة في توجيهات الآباء لأبنائهم، وعرفته الفلسفة الإغريقية فيما قبل الميلاد حيث كانت "الفضيلة" هي محور كتاباتهم ومساجلاتهم عندما قال أفلاطون مثلا: "إن الفضيلة وسط رذيلتين" وعندما خصص أرسطو كتابا مستقلا عن "الأخلاق" بل عندما قدم أستاذهم سقراط نفسه قربانا على مذبح الدعوة إلى الخير والحق على أيدي "السوفسطائيين" الذين تمتد سلالتهم في كل مكان وزمان وإلى الآن!!
وهكذا حتى رأينا "الخير" قد أصبح مبحثا من أهم مباحث الفلسفة وقيمة عليا من القيم الثلاث التي تواضع عليها الفلاسفة وهي "الحق والخير والجمال" حيث يبحث الخير في المعايير التي تميز بين الخير والشر في سلوك الإنسان، وهل هو قيمة نسبية متغيرة في الزمان والمكان، حتى حطت فكرة الخير رحالها في الفلسفة عند الفيلسوف الألماني عمانيول كانط Kant الذي اعتبر الخير واجبا أخلاقيا يفرضه العقل بعيدا عن الأهواء والعواطف والانفعالات.
 
الطابع الأخلاقي في الإسلام
ونحن لا نريد أن نتمادى في هذا المجال "الأكاديمي" النظري البحت بقدر ما نود أن نتناول مسألة الخير كمحور للأخلاق التي يغلب عليه الطابع العملي الذي ينظم حياة الناس ولاسيما في معاملاتهم اليومية، وهذا ما نراه في تعاليم الإسلام الذي يوجه سلوك الإنسان بصفة عامة والمسلم بوجه خاص توجيها يتسم بالفطرية والبساطة والوضوح دون تفلسف في التفكير أو تقعر في التعبير في استقامة الخط المستقيم الذي يقود أوله إلى آخره بلا تشتت أو اعوجاج وذلك من مطلق قوله تعالى: "وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".        (الأنعام: 153).
والمتأمل في أوامر الإسلام ونواهيه يراها ذات طابع أخلاقي فهو لا يخصص للأخلاق بابا محددا أو مبحثا معينا بل إنك ترى الإسلام يحض على مكارم الأخلاق وينفر من مساوئ الأخلاق في كافة المجالات مثل المجال الأسري، والاقتصادي، والسياسي، وغير ذلك سواء في السلم أو الحرب، ونستنبط من هذا أن قوام بناء الحياة الإنسانية في الإسلام هو المحور الأخلاقي المستقيم الذي تدور حوله عجلة الحياة فعندما يقول الإسلام للمسلم "افعل" فإنه يهديه إلى مواطن الخير وعندما يقول "لا تفعل" فإنه ينبهه إلى مزالق الشر على أساس أن "الحلال بين والحرام بين"، ولكن أصحاب الأهواء من سلالة قابيل يحاولون إسدال الستور وتشويه الأمور.
   ومن هنا نلمس أهمية المؤشرات الأخلاقية النبيلة نحو الحق، وبالتالي نحو الهدى الرباني المستقيم.
 
الخلق النبيل في التراث العربي
   ولقد سمعنا في الجاهلية عن أناس عرفوا الحق بفطرتهم فبحثوا عنه، وعرفوا الباطل فنأوا عنه والأمثلة على ذلك كثيرة.
قال الباجي: كانت العرب أحسن الناس أخلاقا بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم، وكانوا ضلوا بالكفر عن كثير منها فبعث ــ صلى الله عليه وسلم ــ ليتمم محاسن الأخلاق ببيان ما ضلوا عنه.
إلا تذكر قول الشاعر الجاهلي الذي دفعته كرامته وشهامته إلى صون حق الجوار عندما تبدو له جارته فيستحي من النظر إليها ثم يشيد بمبادئه الأخلاقية في هذا المجال:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي               حتى يواري جارتي مثواها
ألا تتأمل "أخلاقيات حاتم طئ" وهي أخلاقيات فاضلة شهيرة وجهيرة الكرم وحسن الخلق حيث يقول لزوجته "أمية" عندما عاتبته على كثرة البذل والعطاء:
"أماوي" إن المال غاد ورائح            ويبقى على الناس الأحاديث والذكر
وقد صدق حاتم الذي خلد ذكره الكرم ولم يخلده المال بل الذي نال تقدير النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وذلك عندما أسر المسلمون ابنة حاتم في بعض الغزوات ثم وقفت بين يدي رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ وقالت له: "يا محمد هلك الوالد وغاب الوافد فإن رأيت أن تخلي عني فلا تشمت بي أحياء العرب فإني بنت سيد قومي، كان أبي يفك العاني، ويحمل الضعفاء ويقري الضيف ويشبع الجائع، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد حاجة قط، أنا بنت حاتم طئ". فإذا بنبي الأخلاق العليا والقيم المثلى يقول لها: "يا جارية هذه صفة المؤمن حقا، لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق".
وهكذا تنتظم حبات الدين ورفيع السجايا في العقد الإسلامي الفريد.
وناهيك في هذا السياق بقول "قس بن ساعدة الإيادي" وقد اقترب بفطرته النقية من طريق الحق قبل البعثة المحمدية المطهرة: (أيها الناس اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم شيئا فانتفعوا، إن في لسماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا، تبا لأرباب الغفلة، أين الآباء والأجداد وأين المريض والعواد، وأين الفراعنة الشداد، كلا بل هو الله الواحد المعبود وليس بوالد ولا مولود).
ثم هذا "أمية بن أبي الصلت" الذي ينسب إليه قوله:
كل دين يوم القيامة عند الله                إلا الحنيفة زور
وكان أمية يخبر بأن نبيا يبعث قد أطل زمانه.
 
الأخلاق الفاضلة والتربية
ولا شك في أن التربية الأخلاقية السليمة في المرتبة الأولى هي مسئولية المربين في كافة مجالات التربية المتعددة والمتنوعة، لقد كنا ــ ونحن ناشئة غضة ــ تتلقانا في مجال التربية جهتان هما: الأسرة، ودار التعليم، وكان ما نسمعه من توجيهات أخلاقية في الأسرة هو نفسه الذي نسمعه في دار التعليم، بل كان هو ذاته ما نلمسه في الطريق فكان هناك اتساق واضح في المسيرة التربوية مما كان يعين على تكوين الشخصية الموحدة المتكاملة للناشئ في معظم الأحوال. أما اليوم فقد تعددت وتضاربت مجالات التربية المقصودة وغير المقصودة، المسئولة وغير المسئولة، وأترك للقارئ المؤمن الكيس الفطن الاجتهاد في معرفة هذه المجالات المنتشرة على الأرض وعبر الفضاء، ومنها المحمول والمنقول، وغير هذا وذاك مما هو رهن الحس وليس رهن الفكر والوجدان.
 وليت هذه المجالات تتفق معا على أسلوب واحد في تربية الناشئة، لكنها ــ من أسف ــ متروكة للاجتهادات الشخصية، والمنافع الذاتية التي تلهث وراء الانتشار والذيوع، والمال المدفوع ليس إلا، أما الجانب الأخلاقي السوي فهو في معظم الأحيان قد أصبح في خبر كان، ومن هنا أصبح الناشئ ممزق الشخصية مفتت الكيان في داخله صراع، وفي باطنه نزاع، وفي حياته ضياع يتساءل : أي هذه المجالات حق وأيها باطل؟ وأيها خير وأيها شر؟ دون أن يجد الجواب الكافي والرد الشافي مما يصيبه بالحيرة والإحباط.
 
التربية الأخلاقية مسئولية الجميع
 وهذا الناشئ في غالب الأحوال يمر بمرحلة المراهقة وهي مرحلة يمتزج فيها روح الإبداع، ورغبة الاستمتاع.
ومن أسف أننا نسوق هذا المراهق البرئ إلى مجرد الاستمتاع والانهيار بدلا من الأخذ بيده إلى الإبداع والابتكار لينمو مثل أسلافه من العلماء والأدباء والمخترعين الذين غير بعضهم وجه الدنيا بإبداعاتهم في سن المراهقة، ولك أن تعلم أن "ابن سينا" عندما بلغ السابعة عشرة من عمره كان قد قرأ كل ما كان معروفا في عصره من الكتب، وأن "إديسون" كان عمره عندما اكتشف الكهرباء في مثل هذه السن المبكرة وكذلك "اسحق نيوتن" مكتشف قانون الجاذبية الأرضية.
 وناهيك بأصحاب هذه السن من فتية المسلمين الأوائل ــ رضي الله عنهم أجمعين ــ ممن أمثال فدائي الفراش المحمدي ليلة الهجرة "علي بن أبي طالب" والفارس الشاب أسامة بن زيد قائد "مؤتة"، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر وعبد الله عبد الله بن عمرو وغيرهم من الطلائع التي حملت مسئولية الدعوة المحمدية الغراء، وتبليغها إلى مختلف الأمصار بالقول والعمل جميعا.
ومعنى هذا أن المرء مخلوق باستعداده الخير البرئ، وبيئته هي التي توجه هذا الاستعداد إما إلى السمو والازدهار أو إلى الهبوط والانهيار، ونقصد بالبيئة هنا البيئة الاجتماعية بالذات وما تصطنعه من أساليب واعية للتربية، ويحضرنا هنا الحديث النبوي الشريف "ما من مولود يولد إلا على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". أرأيت أكثر خطرا وأعظم أثرا من ذلك في مجال التنشئة؟
وبعد، فما أحوجنا إلى تقوى الله سبحانه في توجيه أخلاقيات أبنائنا وبناتنا لأننا رعاتهم، "وكل راع مسئول عن رعيته" وإلا نفعل نكن قد قصرنا في حق الأجيال القادمة لأن الجيل المريض لن يلد إلا جيلا أشد مرضا وهكذا،  
وحسبنا هنا حديث النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ (لأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع).
والله وحده هو الهادي إلى السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. مجلة الأزهر
المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع
جميع الحقوق محفوظة لمركز طيِّـبَة للدراسات الإنسانية 2008م
تصميم وتطوير شركة أيزوتك للاستشارات